أبو الليث السمرقندي
208
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال تعالى : ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ أي بعضهم على إثر بعض . ويقال : بعضهم على دين بعض . وَاللَّهُ سَمِيعٌ لقولهم عليم بهم وبدينهم . ويقال : قوله وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، انصرف إلى ما بعده ، أي سميع بقول امرأة عمران إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ وهي حنة أم مريم امرأة عمران بن ماثان ، وذلك أنها لما حبلت ، قالت : لئن نجّاني اللّه ووضعت ما في بطني لأجعلنه محرّرا ، والمحرر من لا يعمل للدنيا ، ولا يتزوج ، ويتفرغ لعمل الآخرة ، ويلزم المحراب ، فيعبد اللّه تعالى فيه ، وهذا قول مقاتل . وقال الكلبي : محررا ، أي خادما لبيت المقدس ، ولم يكن محررا إلا الغلمان . فقال لها زوجها : إن كان الذي في بطنك أنثى ، والأنثى عورة ، فكيف تصنعين ؟ فاهتمت بذلك وقالت : يا رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ وأنت تعلم ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ السميع لدعائي العليم بنيتي ، وما في بطني فَلَمَّا وَضَعَتْها أي ولدت فإذا هي أنثى قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى يعني ولدتها جارية وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر ، واللّه أعلم بما وضعت ، بجزم العين ، وضم التاء ، يعني أن المرأة قالت : واللّه أعلم بما وضعت ، والباقون بنصب العين وسكون التاء ، فيكون هذا قول اللّه إنه يعلم بما وضعت تلك المرأة . ثم قال تعالى : وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى في الخدمة . قال بعضهم : هذا قول اللّه لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وليس الذكر كالأنثى يا محمد . وقال بعضهم : هي كلمة المرأة ، أنها قالت : وليس الذكر كالأنثى في الخدمة . وقال مقاتل : فيها تقديم ، فكأنه يقول : قالت رب إني وضعتها أنثى ، وليس الذكر كالأنثى ، واللّه أعلم بما وضعت ، ثم قالت : وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ يعني خادم الرب بلغتهم وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ يعني أعصمها وأمنعها بك وَذُرِّيَّتَها إن كان لها ذرية مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ يعني الملعون . ويقال : المطرود من رحمة اللّه . ويقال : الرجيم بمعنى المرجوم كما قال : وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [ الملك : 5 ] . حدثنا أبو الليث ، قال : حدثنا الخليل بن أحمد القاضي . قال : حدثنا أبو العباس قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال : حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما من مولود يولد إلّا والشّيطان ينخسه حين يولد ،